احدث الاخبار
أنت هنا: الرئيسية / اخبار جريدة الوطن / اتساع الفجوة بين الإصابات المتصاعدة والرقم «صفر» الذي كنا نتطلع إليه

اتساع الفجوة بين الإصابات المتصاعدة والرقم «صفر» الذي كنا نتطلع إليه

سعود بن علي الحارثي

في هذا المنزل الصغير، اكتشف كل واحد منا حياة متكاملة أهملناها وغفلنا عنها وانشغلنا عنها، تعلمنا الاعتماد على أنفسنا في الكثير من المتطلبات اليومية، وتراجعت مصروفاتنا بشكل كبير، وعمليا تبينا حقيقة أن الإنسان قادر بكل يسر أن يتكيف مع الظروف والطوارئ أيا كانت..

فوجئ العالم من حيث لا يحتسب وهو في فورة تقدمه العلمي والحضاري، ورخائه الاقتصادي، وازدهاره المعيشي، وانفتاح حدوده وأبوابه وأسواقه على بعضها، بواقع لم يتنبأ له متنبئ ولا خبير بعلم، واقع قلب الدنيا رأسا على عقب، اتخذت قرارات وسياسات عاجلة بعزل وتعليق وإغلاق وإيقاف كل شكل من أشكال الحركة البشرية والتجارية والعبادة والحدود، ألغيت خطط ومشاريع وبرامج وجداول وتطلعات وفعاليات على مستوى الدول والمجتمعات والمؤسسات والشركات والأفراد، استقبلت الشعوب وودعت مناسبات دينية ووطنية كانت الحياة فيها مختلفة كلية عنها في الأعوام والسنوات السابقة، استغنى الناس عن الخياطين لخياطة ملابس جديدة، وعن صالونات الحلاقة للتزيين والتجميل، وعن المشتريات والهدايا الثمينة التي تستنزف الدخل كاملا وتزيد عليه قروضا تثقل الكواهل، اختفت البهرجة الإعلامية والزخم الاجتماعي وبرامج المناسبات المعهودة وحركة الشوارع والأسواق النشطة وازدحامها الخانق، ابتهجت النساء والأطفال والأبناء والأمهات برؤية ومشاهدة الأزواج والآباء والشباب في بيوتهم مستجيبين لنداء «البقاء في البيت واجب وطني…» تعمقت العلاقات الأسرية، واستشعر كل فرد في العائلة الدفء والحميمية والحنان والحب واستذكروا معا قصص ومواقف وأحداث الماضي وجمالياته وبهجته، وتوهجت الأسارير رضا وراحة وسعادة، استغنت العائلات أو تخلصت وتعافت من أكل المطاعم ووجباتها الدسمة المشبعة بالزيوت والأملاح والسكريات والمواد الحافظة لصالح مطبخ المنزل وسفرته الصحية البسيطة، وتشارك الجميع في التحضير والإعداد والتجهيز، وتناول ما جادت به الإمكانات، حياة جميلة شعر فيها كل فرد بالطعم الحقيقي للمنزل، ونكهة كل ركن وزاوية وغرفة وشجرة في مزرعته الصغيرة، ومتعة تقليب وقراءة وتمعن كتاب وصورة ولوحة وتحفة وذكرى من أيام الطفولة نسيت وأهملت من سنوات. في هذا المنزل الصغير، اكتشف كل واحد منا حياة متكاملة أهملناها وغفلنا عنها وانشغلنا عنها، تعلمنا الاعتماد على أنفسنا في الكثير من المتطلبات اليومية، وتراجعت مصروفاتنا بشكل كبير، وعمليا تبينا حقيقة أن الإنسان قادر بكل يسر أن يتكيف مع الظروف والطوارئ أيا كانت، وجد الكثيرون أنفسهم أمام ساعات طويلة من الفراغ، يجب أن تملأ وتستثمر في المفيد، وتوظف التوظيف الأمثل لصالح الفرد والأسرة والمجتمع، أخبرني صديق بأنه قرر أن يجري صيانة وإصلاحا على الأجهزة الإلكترونية والتكييف في منزله، وقد نجح في ذلك بعد محاولات عدة، فيما برع آخرون في ابتكار لوحات ومجسمات وأعمال تعبر عن الجمال وتدخل البهجة أو تعالج مشكلة ما، وتقدم حلولا وتيسر الكثير من الاستخدامات، والبعض قضى الساعات في ممارسة هواياته وفي القراءة والكتابة ومشاركة أسرته أعمال المنزل والطبخ والصيانة وتطوير نفسه، وفي التفكير والعصف الذهني والبحث… فالجلسة في البيت لا تعطل ملكة التفكير ولا توقف عجلة الإنتاج والعطاء. وفي مقال سابق نشرته «لوسيل» طرحت فيه قضية اكتشافنا المفاجئ لدور التقنية في تسيير الأعمال، حيث أمكن للحياة «أن تسير بيسر وسهولة، والأعمال أن تنجز بسرعة الضوء دون اضطرار الموظف المكلف بها أن يذهب إلى مكتبه، واجتماعات المسؤولين الأعضاء في المجالس واللجان والمنظمات الدولية والإقليمية والمحلية تنعقد ويتم الاتفاق على بنود الأعمال واتخاذ القرارات، وهم عن بعد، وتوقع الاتفاقيات ويتحاور رجال الأعمال وتتم الصفقات وكل طرف في بلده، فلا تحتاج الوفود والشخصيات السياسية والاقتصادية ورؤساء وأعضاء مجالس الإدارات إلى السفر لعدة ساعات، رحلات مكوكية وطائرات خاصة، ووقود وبدلات سفر ونثريات وأجنحة في فنادق الخمس نجوم وقاعات فخمة… تستنزف الميزانيات العامة، وهذه واحدة من منافع كورونا التي اكتشفناها وكنا نعرفها بدون شك، ولكن الشغف بالسفر والمال والاطلاع على بلدان جديدة واستقبالات فخمة وتبادل الهدايا والوجاهة والزخم الإعلامي جعلتنا نتجاهل فوائد وأسرار التقنية ودورها في سرعة الإنجاز، وفي ترشيد الإنفاق وفي استثمار التطور العالمي وتطبيقه على حياتنا وأعمالنا. بدأنا في التخلص من المعاملات الورقية وتجشم مراجعة الوزارات والمؤسسات الحكومية والخاصة، وفعلنا شبكة المعلومات والتطبيقات التقنية في إنجاز المعاملات ودفع الفواتير وطلب السلع التي نحتاجها إلى منازلنا، وجربنا المؤتمرات واللقاءات الصحفية الافتراضية». سجلت أول إصابة بفيروس كورونا في السلطنة بتاريخ الـ٢٤ من فبراير ٢٠٢٠م. ومنذ ذلك اليوم توالت الأحداث والتطورات، ففي العاشر من مارس، ووفقا لبيان أصدره ديوان البلاط السلطاني تضمن «تفضل حضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ بإصدار أوامره السامية بتشكيل لجنة عليا تتولى بحث آلية التعامل مع التطورات الناتجة عن انتشار فيروس كورونا ٢٠١٩ «كوفيد ١٩»، وذلك في ضوء المعطيات والمؤشرات الصحية المستجدة، وما يصدر عن منظمة الصحة العالمية في هذا الشأن». ركز العمانيون اهتمامهم على اجتماعات هذه اللجنة وما تصدره من سياسات وقرارات لاحتواء الجائحة وتأثيراتها على المجتمع، وعلى مؤتمراتها الصحفية الأسبوعية، وعلى بيانات وزارة الصحة اليومية التي تتضمن عدد إصابات كورونا بين العمانيين والأجانب ومجموعها وحالات الشفاء والوفيات، تحليلا وقراءة، اختلافا واتفاقا، وساهمت وسائل التواصل في نقل رؤى وهواجس وملاحظات المجتمع… في اجتماع اللجنة العليا الذي عقد قبيل إجازة عيد الفطر المبارك، أقرت اللجنة عودة بعض الأنشطة التجارية إلى ممارسة أعمالها وفق ضوابط وآليات مشددة من بينها الالتزام بلبس الكمامات، والتباعد بين البشر، واستلام الطلبات من خارج المحلات التجارية دون الدخول إليها… وإقرار عقوبات على المخالفين. وفي اليوم الأول لمباشرة العمل الرسمي بعد إجازة العيد، أقرت اللجنة «إنهاء العمل بقرار إعفاء الموظفين من الحضور، إلى مقرات العمل، في الجهات الحكومية. ورفع الإغلاق الصحي عن محافظة مسقط». ويوم الثلاثاء الـ٢٣ من يونيو، أصدرت اللجنة قرارها بفتح معظم الأنشطة والمكاتب والمحلات التجارية، وحملت المواطن مسؤولية الحفاظ على صحته ووقاية نفسه من الوباء. وسط تساؤل الكثيرين: هل أدت تلك السياسات وعمليات العزل والغلق إلى محاصرة الجائحة فعلا؟ كما أن التوجه نحو إعادة الحياة إلى طبيعتها بشكل تدريجي ألن يقود إلى تفشي وانتشار الفيروس بشكل أسرع وأشد، خصوصا وأن عدد الإصابات لا يزال في نمو وتصاعد؟ ولكن للحنة العليا أسبابها وحججها التي تتلخص في أن المجتمع بات قادرا على حماية نفسه، وقد اعتاد التعامل اليومي في وجود كورونا، وعودة الحياة تقر وتقيم بشكل تدريجي حسب إجراءات وآليات مشددة، والاستمرار في سياسة الإغلاق لأكثر من ذلك سوف يقود البلد إلى انهيار اقتصادي وأضرار نفسية. وفي اجتماع سابق، اتخذت اللجنة قرارا بإغلاق محافظة ظفار وولاية مصيرة والجبل الأخضر وجبل شمس أمام السياحة الداخلية، ومنع أي أنشطة أو تجمعات سياحية فيها حتى نهاية يوم الجمعة الثالث من يوليو القادم. من جانب آخر لا يزال عدد الإصابات بكورونا ينمو بشكل مستمر وفقا لبيانات وزارة الصحة، وإن تراجعت خلال يوم أو يومين إلا أن الرقم سرعان ما يقفز بشكل كبير ومقلق من جديد. البيان رقم «١١٦» الصادر يوم الاثنين الـ٢٢ من يونيو كان الأعلى في إجمالي عدد المصابين «١٦٠٥»، وارتفع عدد العمانيين إلى «٦٨٤» مصابا، مقارنة بـ»٤٧٠» في البيان رقم «١٠٦». وتواصل ارتفاع عدد المصابين من العمانيين في بيان رقم «١١٧» حيث بلغ الرقم «٨٥٣» مصابا، فيما بلغت عدد الإصابات في آخر بيان أعلن عنه معالي وزير الصحة في اللقاء الصحفي صباح يوم الخميس الماضي، «1366»، وبلغت حالات الشفاء»18520»، والوفيات «144». متأملين أن يصدر البيان الذي يحمل بشرى وصولنا إلى الرقم «صفر» قريبا والعودة إلى ممارسة حياتنا وأعمالنا وتنفيذ برامجنا وخططنا ومشاريعنا وعاداتنا اليومية، في طبيعة تامة وحرية كاملة ونشاط متقد.

سعود بن علي الحارثي
Saud2002h@hotmail.com


المصدر: اخبار جريدة الوطن

عن المشرف العام

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى